كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الآيات القرآنية والقراءات الحداثية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
dakir

avatar

ذكر عدد الرسائل : 10
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: الآيات القرآنية والقراءات الحداثية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:23 am

محاضرة للأستاذ الدكتور: طه عبد الرحمن رئيس منتدى دار الحكمة تقديم وتصرف بسيط بما يخدم النشر: أحمد جمرادي في أمسية طاهائية عرفانية وروحانية وربانية ، قدم الفيلسوف المبدع المجدد الدكتور طه عبد الرحمن محاضرة بعنوان : "الآيات القرآنية والقراءات الحداثية" ، حيث تناول فيها بالبحث والتحليل خطط القراءات الحداثية للقرآن الكريم ، التي ما فتئت تطلع علينا بين الحين والآخر محدثة ما يشبه الجعجعة النشاز....
والدكتور طه عبد الرحمن هو الفيلسوف العربي المسلم الذي قارع – ويقارع حفظه الله – جهابذة الفكر والفلسفة (من طينة هانس جوناس وكارل أوتو أبيل ويورغن هابرماس وماكس فيبر وأشعيا برلين وجون راولز وميخائيل فالترز وصمويل هتنغتون وآخرين بمن فيهم مقلديهم من بني جلدتنا ...) ، مؤسسا في نفس الوقت لمشروع فكري متميز ومتطور ، يروم التجديد والإبداع دفعا بمكونات الأمة العربية والإسلامية إلى استشراف نهضة ثانية بين الأمم.
إن طه عبد الرحمن يعتبر أب الفلسفة التداولية في هذا العصر بلا منازع عبر مشروعه الفكري العملاق ، المحدد المعالم والأركان ، فهو يضع أسس المناظرة ويدعو إلى قراءة التراث قراءة مبدعة بارعة تجانب التقليد المفضي إلى الإستلاب ، كما يضع الآليات المبدعة لترجمة فكر الآخر دونما وقوع في الإنطماس والإنمحاء ، ويبلغ قمة الإبداع بإتاحة الوسائل للفيلسوف العربي المسلم كي يتفلسف بعيدا عن التقليد ، ويواجه غول العولمة المؤدي إلى التيه ، لينتهي إلى التأصيل لروح الحداثة أو المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية ، إنه المنطقي الشاعر الذي يكتب بشعر المنطق ، وهو أيضا المهندس الذي يفكك الإشكالات إلى إحداثياتها الأصلية (أفاصيل ، أراتيب ، أناسيب) ، إنه يعتبر بحق رائد دفعة فكرية فلسفية باتجاه التجديد .
إن أسلوبه المنطقي ومنهجه المناظراتي يدحض جميع الأطروحات الواحدة تلو الأخرى بحيث يأتي منطوق انتقاده مخالفا لمنطوق دعاوى المدعين ومفهوم انتقاده موافقا لمنطوق هذه الدعاوى ، وغرضه متفاعلا مع غرض الدعاوى ، أما حجيته فتأتي معاكسة ومجاوزة لحجية هذه الدعاوى ، وفق تقنيات دقيقة جدا أثبتت جدارتها وأحقيتها العلمية من الناحية المنطقية (مقتبس من محاضرة سابقة له تحت عنوان : من الجدل المحمود إلى علم المناظرة فإلى علم الإعتقاد) ، أما في هذه المحاضرة التي بين أيدينا فخطته هي :
- طرح دعاوى الحداثيين في قراءتهم للقرآن الكريم واستيعابها ،
- فحصها بأعين نقدية علمية صارمة مؤسسة على الإبداع والتجديد ،
- تجاوز هذه الدعاوى وتقويمها انطلاقا من مرجعيتها نفسها ،
- وضع البديل ضمن قراءة إبداعية تجدد القراءة النبوية الأولى (القوة الإيمانية تجعل ملكات الإنسان المسلم مستعدة للإبداع).
اعلم أنني بتقديمي لعمل لهذا المفكر ذي الطراز العالمي كان هدفي هو إبراز مكانة علم الرجل وقدره وأخشى أن لا أكون قد وفيته حقه ، ولكني أعلم ممن عاشروه أنه ذو عفو وصفح جميلين ، بله فيلسوف الأخلاق وهذا ما دفعني إلى التعريف به ، وإلى استئذانه في هذا المقام لإهداء هذا العمل إلى كل من يشتغل بكتاب الله قراءة وترتيلا وتدبرا وتطبيقا آناء الليل وأطراف النهار ، وأطلب من الله أن أوفق إلى طرح المزيد من مكونات مشروعه الفكري المبدع ....
والمحاضرة التي بين أيدينا ألقاها الدكتور طه عبد الرحمن بقاعة باحنيني (الرباط - المغرب) يوم الإتنين 8 نونبر 2004 ، ونشرت بمجلة "منتدى الحوار" عدد 14 دجنبر 2004.

بين يدي المحاضرة :
قبل أن يفصل المحاضر بين ما وصفه بخطط القراءات النقدية الحداثية ، وذلك في معرض الإجابة على السؤال المؤرق التالي : كيف نقرأ القرآن على شرط الحداثة ؟ عرج في البدء على بعض التعريفات المعلومة الخاصة بالحداثة . ومنها كون أخص ما يميز واقع هذه الأخيرة هو أنه عبارة عن سيرورة حضارية لا تنفك تقع صلتها بأسباب الماضي وآثاره ، واصفا القراءات الحداثية لآيات القرآن بالتي تسعى إلى أن تندمج في هذه السيرورة الحضارية ، بحيث تحقق قطيعة معرفية بينها وبين القراءات "التراثية" التي هي على نوعين : أحدهما القراءات التأسيسية القديمة التي قام بها المتقدمون ، مفسرين كانوا أو فقهاء أو متكلمين أو صوفية ، والثاني القراءات التجديدية الحديثة التي قام بها المتأخرون ، سلفيين إصلاحيين كانوا أو سلفيين أصوليين أو إسلاميين علميين (وخص بالذكر كلا من طنطاوي جوهري ومصطفى محمود ومحمد شحرور) . كما أشار أيضا إلى خاصية مميزة للقراءات التراثية وهو أنها عبارة عن تفسيرات للقرآن لا تنفك تضع للإيمان أسسه النظرية أو تقوي أسبابه العملية أي أنها قراءات ذات صبغة اعتقادية صريحة ، أما القراءات الحداثية فهي تفسيرات لآيات القرآن تخرج عن هذه الصفة الإعتقادية ، ما دامت لا تريد أن تحصل اعتقادا من الآيات القرآنية ، وإنما تريد أن تمارس نقدها على هذه الآيات. ولعل أهم المحاولات الحداثية التي عملت على قراءة بعض الآيات القرآنية على هذا المقتضى الإنتقادي ، تلك التي تمثلها قراءة محمد أركون ومدرسته في تونس ، ممثلة في عبد المجيد الشرفي وفريقه ، وقراءة نصر حامد أبو زيد وطيب تزيني وحسن حنفي ، مستفسرا عن الكيفية التي باشرت بها هذه القراءات الحداثية إنجاز مشروعها الإنتقادي.
وبرأي طه عبد الرحمن ، فقد اتبعت هذه القراءات في تحقيق مشروعها النقدي استراتيجيات وصفها بخطط انتقادية ، كل خطة منها تتكون من ثلاثة عناصر :
- الهدف النقدي الذي تقصد تحقيقه
- الآلية التنسيقية التي توصل إلى هذا الهدف
- العمليات المنهجية التي يتم التنسيق بينها للوصول إلى هذا الهدف.
على أن الهدف الذي تسعى إلى بلوغه كل واحدة من هذه الخطط النقدية يبقى إزالة عائق اعتقادي معين ، وهو عين ما يفصله بمنطلقه الرهيب مبرزا الآليات التي تخصها والعمليات التي تتوسل بها في رفع العوائق الإعتقادية.
خطة التأنيس أو الأنسنة :
حسب تصنيف المحاضر ، تجسد خطة التأنيس (أو الأنسنة) الخطة الأولى التي تنبني عليها القراءة الحداثية ، وتستهدف رفع عائق القدسية ، ويتمثل هذا العائق في الإعتقاد بأن القرآن كلام مقدس وآلية هذه الخطة في إزالة هذا العائق هي نقل الآيات القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري ، ويتم هذا النقل إلى الوضع البشري بواسطة عمليات منهجية خاصة ، نذكر منها ما يلي :
- حذف عبارات التعظيم ، فالقراءة الحداثية تقوم بحذف العبارات التي يستعملها جمهور المؤمنين في تعظيمهم لكتاب الله مثل : القرآن العزيز أو القرآن الحكيم أو القرآن المبين أو الآية الكريمة أو قال الله تعالى أو صدق الله العظيم.
- استبدال مصطلحات جديدة بأخرى مقررة ، حيث يعمد القارئ الحداثي إلى استعمال مصطلحات يضعها من عنده مكان مصطلحات متداولة كأن يستعمل مصطلح "الخطاب النبوي" مكان مصطلح "الخطاب الإلهي" ومصطلح "الظاهرة القرآنية" مكان مصطلح "نزول القرآن".
- التسوية في رتبة الإستشهاد بالقول ، وذلك عبر قيام القارئ الحداثي بإنزال الأقوال البشرية منزلة الآيات القرآنية في الإستشهاد ، كأن يصدر فصول كتبه بآيات قرآنية مقرونة بأقوال لدارسين من غير المسلمين ، بل غير مؤمنين.
- التفريق بين مستويات مختلقة في الخطاب الإلهي ، عبر تفريق القارئ الحداثي بين الوحي والتنزيل ويفرق بين الوحي والمصحف كما يفرق بين القرآن والمصحف ويفرق بين القرآن الشفوي والقرآن المكتوب.
- المقارنة بين القرآن والنبي عيسى عليه السلام ، حيث يرى القارئ الحداثي أنه كما أن كلمة الله تجسدت في عيسى بن مريم ، فكذلك كلام الله تجسد في القرآن ، وعلى هذا ، فلما كان المسلمون ينفون عن السيد المسيح الطبيعة الإلهية ويثبتون له الطبيعة الإنسانية ، فقد وجب عليهم ، حسب ظنه (أي القارئ الحداثي) ، أن ينفوا عن القرآن الطبيعة الإلهية ويثبتوا له الطبيعة البشرية.
والحال أن تطبيق هكذا عمليات منهجية تأسيسية يؤدي إلى جعل القرآن نصا لغويا مثله مثل أي نص بشري ، لكل التبعات الفجة التي تترتب على هذه المماثلة اللغوية ، ويلخصها طه عبد الرحمن في النتائج التالية :
- السياق الثقافي للنص القرآني ، فالنص القرآني عبارة عن نص تم إنتاجه وفقا لقوانين الثقافة التي تنتمي إليها لغته ، ولا يمكن أن يفهم أو يفسر إلا بالرجوع إلى نظام هذه الثقافة.
- الوضع الإشكالي للنص القرآني ، ومعلوم أن النص القرآني نص إجمالي وإشكالي ينفتح على احتمالات متعددة ويقبل تأويلات غير متناهية ، ولا ميزة لتأويل على غيره ، فضلا عن أن يدعي أحدها حيازة الحقيقة أو الإنفراد بها.
- استقلال النص القرآني عن مصدره ، حيث ينفصل النص القرآني عن مصدره المتعالي ويرتبط كليا بالقارئ الإنساني ، لذلك فلا يقين في إدراك المقاصد الحقيقية للمتكلم المتعالي ، ولا داعي إلى طلب المدلول الأصلي لكلامه ، وكل ما يقتضيه القارئ من النص إنما هو حصيلة الإستنطاق الذي يمارسه عليه من خلال مرجعيته الثقافية وخلفيته المعرفية ووضعيته الإجتماعية والسياسية.
- عدم اكتمال النص القرآني ، لأنه يبدو نصا غير مكتمل ، إذ أنه لا يرفع احتمال وجود نقص فيه يتمثل في حذف كلام منسوب إلى المصدر الإلهي ، كما لا يرفع احتمال وجود زيادة فيه تتمثل في إضافة كلام منسوب إلى مصدر غير إلهي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
dakir

avatar

ذكر عدد الرسائل : 10
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الآيات القرآنية والقراءات الحداثية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:24 am

خطة التعقيل أو العقلنة :
وعلى غرار خطة الأنسنة ، هناك خطة ثانية ، لها هدف ولها آليات تنسيقية وضمن هذه الآليات التنسيقية ثمة مجموعة من العمليات ، ويترتب عن هذه العمليات مجموعة من النتائج يتعلق الأمر هذه المرة بخطة التعقيل (أو العقلنة) التي هي الخطة الثانية التي تنبني عليها القراءة الحداثية ، وتستهدف رفع عائق الغيبية ، ويتمثل هذا العائق في الإعتقاد بأن القرآن وحي ورد من عالم الغيب ، وآلية هذه الخطة في إزالة هذا العائق هي التعامل مع الآيات القرآنية بكل وسائل النظر التي توفرها المنهجيات والنظريات الحديثة ، ويتم هذا التعامل بواسطة عمليات منهجية خاصة يذكر منها المحاضر ما يأتي :
- نقد علوم القرآن ، حيث اشتغل القارئ الحداثي بنقد علوم القرآن على أساس أن هذه العلوم النقلية أصبحت تشكل وسائط معرفية متحجرة تصرفنا عن الرجوع إلى النص القرآني ذاته كما أنها تحول دون أن نقرأ هذا النص قراءة تأخذ بأسباب النظر العقلي الصريح.
- التوسل بالمناهج المقررة في علوم الأديان ، فقد تم نقل مناهج علوم الأديان التي اتبعت في تحليل ونقد التوراة والأناجيل إلى مناهج علم مقارنة الأديان وعلم تاريخ الأديان وتاريخ التفسير وتاريخ اللاهوت.
- التوسل بالمناهج المقررة في علوم الإنسان والمجتمع ، وذلك عبر إنزال مختلف مناهج علوم الإنسان والمجتمع على النص القرآني ، لا سيما اللسانيات والسيميائيات وعلم التاريخ وعلم الإجتماع وعلم الإناسة.
- استخدام كل النظريات النقدية والفلسفية المستحدثة ، ومن ينكر أن القارئ الحداثي لم يتردد في الإستعانة بكل النظريات النقدية التي تسارع ظهورها في الساحة الأدبية الفكرية في النصف الثاني من القرن الماضي ، متمثلة في الجدليات والبنيويات والتأويلات والحفريات والتفكيكات والإتجاهات الجديدة في النقد الأدبي وتفكيك الخطاب.
- وأخيرا إطلاق سلطة العقل ، عندما قرر القارئ الحداثي أنه لا آية قرآنية تمتنع على اجتهاد العقل ، بل لا توجد حدود مرسومة يقف العقل عندها ولا آفاق مخصوصة لا يمكن أن يستطلعها.
وكما تم مع تبعات خطة الأنسنة ، يؤدي تطبيق هذه العمليات المنهجية التعقيلية إلى جعل القرآن نصا دينيا مثله مثل أي نص آخر ، توحيديا كان أم وثنيا ، بتبعات لا تقل فجاعة عن التبعات الخاصة بخطة الأنسنة ، وقد حصر المحاضر تبعات هذه المماثلة الدينية الخاصة بخطة العقلنة في النتائج التالية :
- تغيير مفهوم الوحي ، حيث يرى القارئ الحداثي أن مفهوم "الوحي" المتداول والموروث عن التصور الديني التقليدي لم يعد من الممكن قبوله ، وينبغي أن نستبدل به مفهوما تأويليا يسوغه العقل ، صارفا عن الوحي ما لا يعقل من الأساطير والطقوس التي تقترن به ، مكتفيا بجانبه المعنوي.
- عدم أفضلية القرآن ، حيث يقرر الحداثي أن ما ثبت من الأوصاف والأحكام والحقائق بصدد الكتابين المقدسين ؛ أي التوراة والإنجيل يثبت أيضا بصدد القرآن ، بحيث لا سبيل إلى ادعاء أفضليته عليهما.
- عدم اتساق النص القرآني ، فالحداثي يرى أن سور القرآن وآياته وموضوعاته وردت بترتيب يخلو من الإتساق المنطقي كما يخلو من الإتساق التاريخي.
- غلبة الإستعارة في النص القرآني ، حيث يلاحظ الحداثي أن المجازات والإستعارات تطغى في النص القرآني على الأدلة والبراهين ، ويستنتج من ذلك أن العقل الذي ينبني عليه هذا النص هو أقرب إلى العقل القصصي الأسطوري منه إلى العقل الإستدلالي المنطقي ، نظرا إلى أن إدراكاته العقلية لا تنفصل عن الخيال والوجدان.
- تجاوز الآيات المصادمة للعقل ، حيث يقرر الحداثي أن كل ما يصادم العقل في النص القرآني من حقائق أو وقائع لا يعدو كونه شواهد تاريخية على طور من أطوار الوعي الإنساني تم الآن تجاوزه.
خطة التأريخ أو الأرخنة :
يختتم طه عبد الرحمن تصنيفه المبدع لخطط القراءات الحداثية بخطة ثالثة موسومة خطة التأريخ (أو الأرخنة) وتستهدف رفع عائق الحكمية (بضم الحاء) ويتمثل هذا العائق في الإعتقاد بأن القرآن جاء بأحكام ثابتة وأزلية ، وآلية هذه الخطة في إزالة هذا العائق هي وصل الآيات بظروف بيئتها وزمنها وبسياقاتها المختلفة ، ويتم هذا الوصل بواسطة عمليات منهجية خاصة يورد منها ما يلي :
- توظيف المسائل التاريخية المسلم بها في تفسير القرآن ، فهناك مسائل اشتغل بها قدماء المفسرين تكشف عن دخول التاريخية على آيات الأحكام ، وهي مسألة أسباب النزول ومسألة الناسخ والمنسوخ ومسألة المحكم والمتشابه ومسألة المكي والمدني ومسألة التنجيم ، فلقد وجد أهل القراءة الحداثية في هذه المسائل أدلة واضحة وأسبابا قوية لتعميق الوعي بالبعد التاريخي الجدلي للآليات القرآنية وتحصيل المشروعية لممارسة النقد التاريخي على هذه الآيات ، متجاوزين الحدود التي وقف عندها المفسرون والفقهاء بل مبرزين تناقضات هؤلاء في الإقرار بوجود التاريخية والقول بوجوب الأزلية.
- تغميض مفهوم "الحكم" ، حيث يحاول القراء الحداثيون أن يفصلوا بين الحكم وبين القاعدة القانونية ، فإذا كانت هذه القاعدة عبارة عن أمر صريح باتباع سلوك مضبوط في ظروف معينة تؤدي مخالفته إلى إنزال عقاب مخصوص بمخالفه ، فإن الحكم الذي تتضمنه الآية القرآنية ليس كذلك ، فإنه قد يأتي تارة بصيغة الأمر ، وتارة بصيغة الخبر ، فلا نعرف على وجه اليقين مضمونه التشريعي ، كما أنه قد يتردد بين أن يكون قرارا عاما وأن يكون قرارا خاصا ، وبين أن يكون قرارا ناسخا ، وأن يكون قرارا منسوخا ، كل ذلك يؤدي إلى اختلاف شديد في القيمة التشريعية لآيات الأحكام وصفتها الإلزامية.
- تقليل عدد آيات الأحكام ، إذ في نظر القراء الحداثيين أن آيات الأحكام التي لا تمثل إلا نسبة محدودة من جملة الآيات القرآنية ، تبقى متأثرة بالأحوال والأوقات الخاصة التي نزلت فيها ، حتى إن أكثرها عندهم قد نسخ وبعضها تجاوزه التاريخ بغير رجعة ، لذلك دعوا إلى الإقتصار على أقل عدد ممكن من هذه الآيات قد لا يتعدى الثمانين آية ، نظرا لما يمكن أن يحمله المستقبل من أسباب التجاوز لهذه الآيات.
- إضفاء النسبية على آيات الأحكام ، حيث يقررون أن آيات الأحكام لا تحيل على أسباب نزولها متعلقة معانيها بهذه الأسباب فحسب ، بل إنها تحيل أيضا على تاريخ تفسيراتها المتعددة ، فقد فهم المفسرون والفقهاء هذه الآيات فهوما اختلفت باختلاف مشاغلهم الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية في سياق الظروف التاريخية المتقلبة للمجتمع الإسلامي.
- تعميم الصفة التاريخية على العقيدة ، عندما يذهب أهل القراءة الحداثية إلى أن التاريخية لا تدخل على آيات الحدود والقصاص والمعاملات فقط بل تدخل أيضا على آيات العبادات ، ذلك أن العقائد التي جاءت بها هذه الآيات تكون بحسبهم ، تابعة لمستوى المعرفة في العصر الذي نزلت فيه ، وحينئذ ، يكون القرآن قد اعتمد تصورات مرتبطة بدرجة الوعي لدى اولئك الذين توجه إليهم خطابه ، تصورات يكون بعضها عبارة عن تصورات أسطورية.
إذا كانت خطة التأنيس تسقطنا في المماثلة اللغوية ، وخطة التعقيل تسقطنا في المماثلة الدينية ، فإننا نسقط في مماثلة تاريخية مع خطة التاريخ ، عبر جعل القرآن مجرد نصوص تاريخية مثله مثل أي نصوص تاريخية أخرى ، وتترتب على هذه المماثلة التاريخية النتائج التالية :
- إبطال المسلمة القائلة بأن القرآن فيه بيان كل شيء ، فأهل القراءة الحداثية يرون أنه ، علاوة على كون عدد آيات الأحكام ضئيلا جدا بالمقارنة بغيرها ، فإن كثيرا منها جاء خاصا أو مقيدا ، إذ ارتبط بأشخاص أو بحوادث أو بأحوال أو بظروف يؤدي ذهابها إلى إسقاط العمل به ، أما الأحكام التي يستنبطها الفقهاء من النص القرآني ، ولما كانت اجتهادات بشرية مضافة إلى ما جاء فيه ، فقد دلت هذه الإضافة على أن النص القرآني لا يتضمن تمام التشريع الإسلامي ، وأما الآية التي يستشهد بها عادة في هذا الصدد ، وهي الآية الكريمة "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "( المائدة : 3) فلا تدل عند الحداثيين على تمام التشريع ، وإنما تدل على تمام التنزيل.
- تصبح آيات الأحكام نازلة منزلة توجيهات لا إلزام معها ، فلا تعدو هذه الآيات عند الحداثيين كونها توصيات لا قوانين ، يستعين بها المسلم في حل المشاكل التي تعترض سبيله أثناء ممارسته لحياته الإجتماعية ، لا سيما في تدبيره لأسرته ، وكذا أثناء قيامه ببعض المعاملات الإقتصادية ، ولم يستثن بعض الحداثيين من هذه الآيات إلا واحدة يعدها ذات مدلول قانوني مدني ، وهي آية "الربا": "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة : 275).
- حصر القرآن في أخلاقيات الفرد الخاصة ، ترد التوجيهات القرآنية ، عند الحداثيين ، في صورة مواعظ وإرشادات موجهة بالأساس إلى ضمائر المسلمين ، تحثهم على مراعاة علاقتهم بخالقهم والسلوك ، والشاهد على ذلك حسب الحداثيين ، افتتاح التوجيهات القرآنية بعبارة "ياأيها الذين آمنوا" وتذييلها بعبارة "إن كنتم مؤمنين" أو "إن كنتم صادقين" ، فضلا عن أن كثيرا من آيات الأحكام لا تنص إلا على الجزاء الأخروي، وحتى تلكم التي نصت على الجزاء الدنيوي مثل الحدود ، فإنها فتحت باب التوبة.
- الدعوة إلى تحديث التدين (الفرقان الحق "المفترى" ، إمامة المرأة ، تغيير بعض آيات الجهاد…) ، فالحاجة عند الحداثيين تدعو إلى أن نستخلص من النص القرآني تدينا ينسجم مع فلسفة الحداثة ، فلا تكون فيه قسرية ظاهرة تحد من حرية الأفراد ، ولا تكون فيه شعائرية طاغية تضيق على سلوكاتهم ، ولا أساطير غابرة لا تطيقها عقولهم ، أي في نهاية المطاف ، تدينا يقوم على الإيمان الفردي ويختار فيه صاحبه نمط تعبده في دائرة حياته الخاصة ، فإذن على قدر تخلصه من أشكال التدين الموروثة ، يكون نهوضه بمقتضى التحديث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
dakir

avatar

ذكر عدد الرسائل : 10
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الآيات القرآنية والقراءات الحداثية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:26 am

في نقد القراءات الحداثية :
بعد التفصيل الدقيق والممتع في آليات ونتائج الخطط النقدية التي اتبعتها القراءة الحداثية بأعين نقدية صارمة لفيلسوف لا يمارس نقده إلا ليمهد للتأسيس والإبداع ، ولا يتم إلا بعد استيعاب للأطروحات الأخرى ليمضي بعد ذلك إلى تجاوزها ، ولذلك استحق أن يوصف بالفيلسوف المجدد والمبدع ، عرج طه عبد الرحمن على تقويم هذه القراءة انطلاقا من مرجعيتها نفسها ، أي انطلاقا من الحداثة.
من المثير أن نعلم ، حسب ما نستشف من نقد المحاضر ، أن القراءات الحداثية للآيات القرآنية كانت أبعد عن الحداثة ، بحيث لم يمارس أصحاب هذه القراءة الحداثية في معرض قراءتهم تلك بقدر ما أعادوا إنتاج الفعل الحداثي كما حصل في تاريخ غيرهم ، مقلدين أطواره وأدواره ، ويظهر هذا التقليد من كون خططهم الثلاثة مستمدة من واقع الصراع الذي خاضه الأنواريون في أوروبا مع رجال الكنيسة والذي أفضى بهم إلى تقرير مبادئ ثلاثة أنزلت منزلة قوام الواقع الحداثي الغربي.
أولها ، مقتضاه أنه يجب الإشتغال بالإنسان وترك الإشتغال بالإله ، وبفضل هذا المبدإ تمت مواجهة الوصاية الثقافية للكنيسة.
والثاني ، مقتضاه أنه يجب التوسل بالعقل وترك التوسل بالوحي ، وبفضل هذا المبدإ تمت مواجهة الوصاية الفكرية للكنيسة.
والثالث ، مقتضاه أنه يجب التعلق بالدنيا وترك التعلق بالآخرة ، وبفضل هذا المبدإ تمت مواجهة الوصاية السياسية للكنيسة.
وطبيعي أن أي متأمل للخطط التي اتبعها أهل القراءة الحداثية بالصيغة التي سطرها هذا الفيلسوف المبدع ، يجد أنها مأخوذة من هذه المبادئ فخطتهم في التأنيس متفرعة على المبدإ الأول الذي يقضي بالإشتغال بالإنسان دون سواه ، وخطتهم في التعقيل متفرعة على المبدإ الثاني الذي يقضي بالتوسل بالعقل دون سواه ، وخطتهم في التاريخ متفرعة على المبدإ الثالث الذي يقضي بالتعلق بالدنبا دون سواها. ولا عجب أن يتهافت هؤلاء القراء على كل ما أنتجه العمل بهذه المبادئ في المجتمع الغربي من معارف وعلوم ومناهج وآليات ونظريات ، فيندفعون في إسقاطها على الآيات القرآنية ، معيدين إنتاج نفس النتائج ، التي توصل إليها علماء الغرب بصدد التوراة والأناجيل ولا يخفى على المتتبع الفطن ما في هذه الإسقاطات الإندفاعية من عيوب منهجية صريحة تفقد التحليلات الحاصلة قيمتها والنتائج المتوصل إليها مصداقيتها، ويوجزها المحاضر في خمسة عيوب :
العيب المنجي الأول : فقد القدرة على النقد ، حيث إن إسقاط أية وسيلة على أي موضوع يحتاج إلى مشروعية ، ومشروعيته تقوم في التحقق من وجود المناسبة بين الوسيلة والموضوع ، ولا مناسبة بينهما إلا إذا حافظت الوسيلة على إجرائيتها بعد نقلها من مصدرها وحافظ الموضوع على خصوصيته بعد إنزالها عليه ، ولما كان أهل القراءة الحداثية يفقدون القدرة على نقد وسائلهم المنقولة ، مع العلم بأن هذا النقد شرط في تحقيقهم بالحداثة ، كان الأجدر بهم أن يتركوا ممارسة الإسقاط ويتعاطوا تحصيل هذه القدرة.
العيب المنهجي الثاني : ضعف استعمال الآليات المنقولة ، فالكثير من المنهجيات والنظريات التي نقلوها لم يتمكنوا من ناصية استعمالها ، ولا بالأولى أحاطوا بالأسباب النظرية والقرارات الإجرائية التي انبنت عليها ، إضافة إلى أن بعض هذه المنهجيات والنظريات كان الأحرى بهم أن لا ينقلوه ، نظرا إلى أن صبغته العلمية لم تكتمل في أصله ، إذ ما زال يتحسس طريقه ويمتحن فائدته ، أو نظرا إلى أنه عبارة عن وسائل نقدية أشبه بالموجات الفكرية منها بالمنجزات العلمية.
العيب المنهجي الثالث : الإصرار على العمل بالآليات المتجاوزة ، فقد بنوا على بعض ما نقلوه تقريرات أرادوها حاسمة وتحليلات أرادوها نافذة ، ولكن ما لبث أن ظهرت الحاجة إلى تجاوزه ، ومع ذلك لم يجعلهم هذا التجاوز يراجعون طريقتهم الإسقاطية ، بل على العكس من ذلك ، راحوا يسقطون ما استجد من الآليات على النص القرآني ، غير معتبرين تاريخية هذه الأدوات ولا نسبية نتائجها.
العيب المنهجي الرابع : تهويل النتائج المتوصل إليها ، فلما كانوا عاجزين عن نقل الآليات المنقولة ، فضلا عن عجزهم عن ابتكار ما يضاهيها ، عظمت في أعينهم وعظم صانعوها فازدادوا استعراضا لأنواعها وأبوابها ومستوياتها وتضخيما لفوائدها التحليلية والنقدية ، وأوهموا القارئ بأن ما توصلوا إليه من استننتاجات بواسطتها بلغ الغاية في تحديث قراءة النص القرآني ، والواقع أننا ، يضيف طه عبد الرحمن ، إذا تفحصنا هذه الإستنتاجات وجدناها تدخل في إحدى الحالات الثلاث : إما أنها استعادة لما وصل إليه علماء الغرب ، وإما أنها استعادة لما توصل إليه علماء الإسلام ، وإما أنها بضاعة مزجاة لا ترقى إلى استنتاجات هؤلاء ولا إلى استنتاجات اولئك ، فضلا عن غموض الفكرة وركاكة العبارة عند غالبيتهم.
العيب المنهجي الخامس : تعميم الشك على كل مستويات النص القرآني ، فلما كان دأبهم أن يسقطوا آليات مختلفة على نص لم توضع له في الأصل ، عاجزين عن إعادة تقويمها في سياقها الجديد ، فقد أسقطوا عليه أيضا آلية التشكيك ، زاعمين أن الرغبة في كشف المجهول والإطلاع على خفايا النص القرآني تدعوهم إلى الإبتداء بالشك بوصفه منهجا للاكتشاف ، لكنهم لا يكادون يفرغون من إسقاطاتهم المختلفة ، حتى يكونوا قد شرعوا هذا الشك وقرروا الإرتياب في أصل النص القرآني وقدسيته وتماميته وصلاحيته ، وحينئذ ، لا بد أن يفضي هذا الشك المعمم إلى أن تضطرب تحليلاتهم وتلتبس أحكامهم وتتعثر نتائجهم.
كما جرت العادة مع القراءات الفلسفية النقدية الصادرة عن طه عبد الرحمن ، لا يكتفي هذا الفيلسوف بنقد وتفكيك صرح منظومة معرفية دون الإتيان ببديل ، وهو عين ما ينطبق أيضا على نقده لخطط القراءات الحداثية للآيات القرآنية ، فبعد أن بين أن قراءة الآيات القرآنية كما مارسها هؤلاء في تقليد صريح لما أنتجه واقع الحداثة في المجتمع الغربي ، متعرضة بذلك لآفات منهجية مختلفة ، فلا ينفع أن يقال أن إبداع هؤلاء القراء يتجلى في كونهم قاموا بتطبيق منهجيات ونظريات لم تطبق على القرآن من قبل ، فقد ظهر أن هذا التطبيق لا يعدو كونه إسقاطا آليا ، والإسقاط لا إبداع معه ، بل إن هذا التقليد جعل قراءتهم ترجع إلى زمن ما قبل الحداثة ، وهو زمن الوقوع تحت الوصاية الذي ثارت عليه بالذات الحداثة ، وقد رضي هؤلاء بأن يضعوا أنفسهم اختيارا ، تحت الوصاية الثقافية والفكرية والسياسية لصانعي الحداثة ، فتكون قراءتهم ، بموجب روح الحداثة ، عبارة عن قراءات القاصرين ، لا قراءات الراشدين ويلزم بالتالي أنه لا حداثة إلا بالتحرر من هذه الوصاية الشاملة والخروج إلى فضاء الإبداع ، فإذن السؤال الحاسم الذي يواجهنا الآن هو : كيف نتحرر من وصاية المنقول ونحقق الإبداع في قراءة الآيات القرآنية بما يجعل هذه القراءات حداثية حقا ؟
ماهية القراءة الحداثية الإبداعية :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
dakir

avatar

ذكر عدد الرسائل : 10
العمر : 48
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الآيات القرآنية والقراءات الحداثية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:27 am

للجواب عن سؤال الخروج من الوصاية الشاملة بهدف تحقيق الإبداع ، ينطلق المحاضر من حقيقتين تاريخيتين :
الحقيقة الأولى تقول أنه لا دخول للمسلمين إلى الحداثة إلا بإيجاد قراءة جديدة للقرآن الكريم ، على اعتبار أن القرآن كما هو معلوم ، هو سر وجود الأمة المسلمة وسر صنعها للتاريخ ، فإذا كان هذا الوجود والتاريخ ابتدأ من القراءة النبوية للقرآن باعتبارها دشنت الفعل الحداثي الإسلامي الأول ، فإن استئناف هذا الوجود لعطائه وهذا التاريخ لمساره وكذا تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني لا يكونان إلا بقراءة تجدد هذه القراءة النبوية ، ودليل هذا التجديد أن تكون هذه القراءة قادرة على توريث الطاقة الإبداعية في هذا العصر كما أورثتها القراءة المحمدية في عصرها.
أما الحقيقة الثانية فتذهب إلى أن واقع الحداثة في المجتمع الغربي قام على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية التي مارست وصايتها على الدين ووصاية على الثقافة والسياسة والفكر باسم هذه الوصاية الدينية ، إضافة إلى أنها تسببت في حروب دينية مزقت هذا المجتمع ، كل ذلك دعا إلى العمل على تحرير الإنسان الغربي وتحرير عقله وتوجيه تاريخه بما يدفع عنه شر الحروب المقدسة.
يترتب على هاتين الحقيقتين التاريخيتين أن مقتضى الحداثة الإسلامية يضاد مقتضى الحداثة الغربية ، فإذا كان الفعل الحداثي الغربي قام على أصل التصارع مع الدين ، فإن الفعل الحداثي الإسلامي لا يقوم إلا على أصل التفاعل مع الدين ، سواء في طوره النبوي الأول أو في طوره الإبداعي الثاني ، وإذا ثبت هذا الأمر ، تبين مدى الخطإ الذي ارتكبه أهل القراءة الحداثية لما ظنوا أنهم يحققون الفعل الحداثي المطلوب بالحد من هذا التفاعل الديني والسير به إلى نهايته ، تقليدا لواقع الفعل الحداثي الغربي الذي قضى بقطع الصلة بالدين ، في حين كان ينبغي لهم أن يرعوا هذا التفاعل بما يجعله قادرا على توليد الطاقة الإبداعية لدى المسلم ، إذ بقدر ما تعتمل في صدره القوة الإيمانية ، تستعد ملكاته للإنتاج والإبداع ، كما كان ينبغي لهم أن يراجعوا مقومات الفعل الحداثي المنقول في ضوء هذا التفاعل الديني.
ليخلص إلى أن قراءة الآيات القرآنية لا تكون حداثية مبدعة بحق حتى تستوفي شرطين اثنين:
أحدهما رعاية قوة التفاعل الديني مع النص القرآني ، أو ترشيد التفاعل الديني ،
والثاني إعادة إبداع الفعل الحداثي المنقول أو تجديد الفعل الحداثي.
أما بالنسبة لترشيد التفاعل الديني ، فيتم بواسطة الفعل الحداثي نفسه ، من منطلق أن أحد مكونات هذا الفعل في القراءة هو الآلية التنسيقية التي تنبني عليها كل خطة من خططه الأربعة ، وهي ذات صبغة انتقادية ، وترشيد التفاعل الديني إنما يحصل في كل قراءة مبدعة بالتوسل بهذه الآلية التنسيقية الإنتقادية عينها في كل واحدة من خططها. أما تجديد الفعل الحداثي فيتم بواسطة التفاعل الديني ، على اعتبار أن من مكونات هذا الفعل في القراءة الحداثية المقلدة أيضا هدف الخطة الذي هو ذو صبغة سلبية أو هدمية ، حتى أصبح مسلما به الحديث عن عملية هدم مستمرة للتراث كما أشار إلى ذلك مصطفى المرابط في تقديمه للمحاضرة ، والحال أن تجديد الفعل الحداثي حسب طه عبد الرحمن ، إنما يحصل باستبدال هدف ذي صبغة إيجابية أو بنائية مكان هدفه السلبي ، أي إحلال هدف يجلب قيمة معينة مكان هدفه السلبي ، أي إحلال هدف يجلب قيمة معينة مكان هدفه الذي كان يدفع عائقا معينا ، وهذا يعني أن مبدأ البناء في القراءة المبدعة مقدم على مبدإ الهدم ، على خلاف القراءة المقلدة التي يتقدم فيها مبدأ الهدم الذي يزيل الغيبية والقدسية والحكمية.
البديل الطاهائي : خطط القراءة الإبداعية
بعد عروج المحاضر على تحديد الترشيد الديني والتجديد الحداثي ، يطرق باب التفصيل في شروط وآليات القراءة الحداثية المبدعة للآيات القرآنية ، وتتفرع على ثلاث خطط :
خطة التأنيس المبدع :
على عكس خطة التأنيس المقلدة التي يروج لها الحداثيون ، لا تقصد خطة التأنيس المبدعة محو القدسية ، وإنما تقصد تكريم الإنسان ، بحيث يكون تعريفها هو أنها تنقل الآيات القرآنية من وضعها الإلهي إلى وضعها البشري ، تكريما للإنسان. كما أنه ليس في هذه الآلية أي إخلال بالفعل الحداثي ، فالإنسان يستعيد اعتباره ، لكن ليس بانتزاعه من سلطة الإله كما هو الشأن في خطة التأنيس المقلدة ، وإنما بموافقة إرادة الإله ، وبدهي أن الإعتبار الذي يأتي موافقا للإرادة الإلهية خير من الإعتبار الذي يأتي مخالفا لها ، إذ يكون الإله هو الضامن لاستمراره واستكماله ، وليس هذا فقط بل إن الإله أراد أن يكون الإنسان ، لا قائما بشؤونه في هذا العالم فحسب ، بل أراد أن يكون خليفة له في تدبير شؤون هذا العالم "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" (ص 26) ، ومن يكون خليفة للإله الحق ، فقد فاز بغاية التكريم ، وعلى هذا فخطة التأنيس المبدع تعيد وصل الإنسان بخالقه وصلا يرفع مكانته ويحقق كرامته. بما لا يفعل تأنيس يقطع هذه الصلة ولو أعطى للإنسان رتبة الألوهية ، لأن نزول هذه الرتبة أمر محال في حق الإنسان.
وإذا كانت العمليات المنهجية في خطة التأنيس المقلد تشتغل بمحو القدسية من النص القرآني ، فإنها في خطة التأنيس المبدع تشتغل ببيان تكريم الإنسان في هذا النص ، بحيث يكون الإنشغال بالإنسان فيها أكثر منه في الأخرى ، ذلك أن التأنيس المقلد يشتغل بدفع ما يتوهم أنه يضر بالأصالة الإنسانية ، أي القدسية ، في حين أن التأنيس المبدع يشتغل بجلب ما ينفع هذه الأصالة ، ومن هنا ، يكون التأنيس المبدع أكثر حداثة من التأنيس المقلد بموجب المبدإ الحداثي الأول الذي يقضي بالعناية بالإنسان.
وبهذا تبطل المماثلة اللغوية التي أقامها التأنيس المقلد بين النص القرآني والنصوص البشرية ، قاصدا صرف قدسية هذا النص ، فليست عبارات اللغة مجرد أشكال نطقية ، وإنما مضامين تبليغية ، وهي الأصل فيها ، ويأتي في مقدمة هذه المضامين بالنسبة للنص القرآني المضمون العقدي ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا عبرة بأن يقوم بالنص القرآني بعض ما يقوم بالنصوص التي تكون بين يدي الإنسان من أشكال التعبير ، متعرضا من هذه الجهة لما تتعرض له النصوص العقدية الذي تحمله الآيات القرآنية هو المعيار الذي ينبغي أن يعتمد في تحديد مدى مماثلته أو مباينته لغويا لغيره ، والحال أن هذه الآيات تختص دون سواها بكونها أحدثت وما زالت تحدث تثويرا عقديا جوهريا لا يمكن أن يحدثه كلام غيرها ولو بلغ من الكمال ما بلغ ، إذ يرفع مبدأ التوحيد إلى أعلى درجات التجريد ، وعليه ، فلا نظير للنص القرآني في حداثته اللغوية.
خطة التعقيل المبدعة :
لا تقصد خطة التعقيل المبدعة محو الغيبية كخطة التعقيل المقلدة ، وإنما تقصد توسيع العقل ، بحيث يكون تعريفها هو أنها التعامل مع الآيات القرآنية بكل وسائل النظر التي توفرها المنهجيات والنظريات الحديثة ، توسيعا لنطاق العقل. فهذا التعامل العلمي مع الآيات القرآنية لا يضعف التفاعل الديني متى تخلينا عن أسلوب الإسقاط عند العمل بهذه المنهجيات ، إذ نظفر فيها بالأسباب المنهجية التي نستطيع بواسطتها أن نستكشف بعض المعالم المميزة للعقل الذي يختص به القول القرآني ، والذي ليس عقل الآلات ، وإنما عقل الآيات ، ولا عقل النسب ، وإنما عقل القيم.
كما أن هذا التعامل لا يخل بالفعل الحداثي ، على اعتبار أن العقل يستعيد نوره ، لكن ليس بانتزاعه من عالم الغيب كما هو الأمر في خطة التعقيل المقلدة ، وإنما بتوسيع آفاقه بما يجعله يدرك أسرار التوجهات القيمية للإنسان ، فضلا عن الأسباب الموضوعية للوقائع ، بل إن هذا العقل الموسع – وهذه إشارة هامة تغيب عن أذهان الكثير من المتتبعين – يسهم في الإرتقاء بالفعل الحداثي نفسه ، مخرجا إياه من طوره المادي الخالص إلى طور يزدوج فيه المادي بالمعنوي ، إنقاذا له من سابق أخطائه.
وإذا كانت العمليات المنهجية في خطة التعقيل المقلد تشتغل بمحو الغيبية من النص القرآني ، فإنها في خطة التعقيل المبدع تشتغل ببيان توسع العقل في هذا النص ، بحيث يكون الإنشغال بالعقل فيها أكثر منه في الأخرى ، ذلك أن التعقيل المقلد يشتغل بدفع ما يتوهم أنه يضر بالفكر العقلاني أي الغيبية ، في حين أن التعقيل المبدع يشتغل بجلب ما ينفع هذا الفكر ، ومتى تحقق جلب هذه العقلانية ، اندفع بالضرورة ما يضرها من الغيبية الغالية ، ومن هنا يكون التعقيل المبدع أكثر تغلغلا في الحداثة من التعقيل المقلد بموجب المبدإ الحداثي الذي يقضي بالعناية بالعقل.
بالنتيجة ، نرى أن العمليات المنهجية في التعقيل المبدع تعقب مظاهر توسيع العقل في الآيات القرآنية ومواطنه وأقداره ، مستخرجة منها مختلف الأدلة التي تثبت مبدأ التدبر الذي دعت إليه هذه الآيات ، فتوضح هذه العمليات كيف أن العقل القرآني يصل الظواهر بالقيم ويصل الأحداث بالعبر ، وأيضا كيف أنه يرتبط بالقلب ارتباطا خاصا ، وأخيرا كيف أن القلب في القرآن ليس ملكة جزئية تنحصر أفعالها في العواطف والمشاعر كما ساد الإعتقاد بذلك ، وإنما ملكة جامعة هي مصدر كل الإدراكات الإنسانية في تداخلها وتكاملها ، عقلية كانت أو حسية أو روحية ، بحيث يكون أفق الإدراك الحسي موصولا بأفق الإدراك العقلي وأفق الإدراك العقلي موصولا بأفق الإدراك الروحي.
وحينئذ ، تبطل المماثلة الدينية التي أقامتها خطة التعقيل المقلد بين النص القرآني وبين النصوص الدينية الأخرى ، وذلك من وجهين ، أحدهما أن الفرق بين العقل الذي يتضمنه النص الديني التوحيدي وبين العقل الذي يتضمنه النص الديني الوثني فرق لا يطوى ، فالعقل التوحيدي يرتقي على العقل المادي مراتب تختلف باختلاف الأديان المنزلة ، بينما العقل الوثني ينحط عن العقل المادي مراتب تختلف باختلاف الأديان غير المنزلة ، وإذا كان الأمر كذلك ، لزم أن تكون العبادات والقصص في النص التوحيدي غيرها في النص الوثني ، إذ تمثل في الأول وسيلة لممارسة عقل أعلى ، وفي الثاني وسيلة لممارسة عقل أدنى ، والوجه الثاني ، إذا سلمنا بأن النصوص الدينية المنزلة إنما هي تجليات لوحي واحد ، كل تجل يصدق التجلي الذي سبقه ويهيمن عليه ، وجب أن يكون النص القرآني مهيمنا عليها جميعا ، فيفضلها عقلا ، والشاهد على أفضلية توجه هذا النص العقلي أنه لا نص منزل بلغ مبلغه في إنكار ما يخالف العقل مثل الإشتغال بالسحر والخوض في الأساطير ، ولا في إثبات ما يوجه العقل إلى مزيد السداد مثل الإرتقاء بالعبادة إلى رتبة الإحسان واقتناص المعاني من العلامات الكونية.
خطة التأريخ المبدع :
يختتم طه عبد الرحمن عرضه القيم بالتفصيل في طبيعة خطة التأريخ المبدعة ، والتي تروم ترسيخ الأخلاق ، وليس محو الحكمية (بضم الحاء وسكون الكاف) كما هو الحال مع خطة التأريخ ، فيكون تعريفها إذا هو أنها وصل الآيات القرآنية بظروف بيئتها وزمنها وسياقاتها المختلفة ، ترسيخا للأخلاق. ولا يضعف هذا الوصل الظرفي والسياقي التفاعل الديني في شيء ، ذلك أن الظروف والسياقات الخاصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ليست إلا أول تحقق للمقاصد أو القيم التي تحملها هذه الآيات ، بحيث كلما تجددت الظروف والسياقات الخاصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ، أمكن أن يتجدد تحقق هذه القيم ويتجدد الإيمان بها.
كما أن هذا الوصل لا يضر بالفعل الحداثي ، ذلك أن التاريخ يستعيد اعتباره ، لا يمحو الحكمية كما هو الشأن في خطة التأريخ المقلدة ، وإنما بالإرتقاء بمفهوم الحكم ، فلم يعد مضمون آية الحكم ينحصر فيما تأتي به من تشريع ، وإنما يتسع لما يرمي إليه هذا التشريع من تخليق ، بحيث يصبح لهذه الآية وجهان : وجه قانوني ووجه أخلاقي ، مع تبعية الوجه القانوني للوجه الأخلاقي ، حسب فيلسوف الأخلاق ، وعندئذ، تقدر الأحكام بقدر الأخلاق التي تورثها ، مع التأكيد على أن الأخلاق ليست كمالات ، وإنما ضرورات.
وإذا كانت العمليات المنهجية في خطة التأريخ المقلد تشغل بمحو الحكمية من الآيات القرآنية ، فإنها في خطة التأريخ المبدع تشتغل ببيان رسوخ الأخلاق في هذه الآيات بحيث يكون الإنشغال بالسلوك في الحياة في هذه الخطة أكثر منه في الأخرى ، ذلك أن التأريخ المقلد يشتغل بدفع ما يتوهم أنه يضر بالسلوك ، أي الحكمية ، في حين أن التأريخ المبدع يشتغل بجلب ما ينفع هذا السلوك ، أي الأخلاق ، وعليه ، يصبح التأريخ المبدع أكثر تغلغلا في الحداثة من التأريخ المقلد بموجب المبدإ الحداثي الثالث الذي يقضي بالعناية بالسلوك الدنيوي.
وهكذا ، تتولى العمليات المنهجية في خطة التأريخ المبدع الكشف عن أشكال التخليق ومواضعه ونماذجه ودرجاته في الآيات القرآنية ، مستخرجة منها مختلف الأدلة التي تثبت مبدأ الإعتبار الذي حثت عليه هذه الآيات ، فتبين كيف أن الأحداث التاريخية التي توردها هذه الآيات ليست مجرد وقائع منضبطة بأسباب موضوعية ، وإنما وقائع موجهة لتحقيق مقاصد أخلاقية مخصوصة ، بحيث تنزل هذه الوقائع منزلة علامات كونية ، ثم كيف أن القيم التي تقترن بهذه العلامات تشكل عبرا للإنسان يفضي العمل بها إلى تغيير مجرى حياته.
وبالنتيجة ، تبطل المماثلة التاريخية التي أقامتها خطة التأريخ المقلدة بين النص القرآني وبين النصوص التاريخية ، ذلك أن لهذا النص وضعا تاريخيا لا يضاهيه فيه غيره ، حيث إنه النص الديني الخاتم ، والنص الخاتم يمتد زمنه على ما وراء زمن نزوله ، حتى إن كل زمن يليه يكون زمنه ، من هنا ، يتعين أن نبحث في الآيات القرآنية ، لا عن علامات الماضي ، حتى نوقف صلاحيتها على هذه العلامات ، واقعين في تاريخية ماضوية ، وإنما أن نبحث فيها على علامات الحاضر ، حتى نستمد منها معالم الإهتداء في الحياة ، صانعين لتاريخية مستقبلية ، فلا بد للنص الخاتم أن يكون نصا راهنيا ، وان تكون راهنيته راهنية دائمة ، ونضيف فوق هذا المعطى كون القرآن اختص بقيم أخلاقية وروحية عليا ، والقيم لا ينال منها توالي الزمن كما ينال من الوقائع ، بل من القيم ما ينال من الزمن ولا ينال منها ، ذلك لأن إرادة تطبيق هذه القيم تكون هي السبب في صنع التاريخ ، أو على الأقل ، لأن التعلق بها يكون سببا في اتخاذ الأحداث الوجهة التي اتخذتها ، وهذه إشارات معرفية تتقاطع مع ثنايا محاضرة سابقة لهذا الفيلسوف المجدد قدمت تحت عنوان "روح العولمة وأخلاق المستقبل" تحدث فيها عما وصفه بالزمن الأخلاقي الإسلامي الذي يبتدئ بانتهاء الزمن الأخلاقي المسيحي ، والذي يحتم على العرب والمسلمين تحمل مسؤولياتهم اتجاه العولمة.
وحاصل الكلام في هذا العرض القيم أن القراءات الحداثية لبعض الآيات القرآنية التي تم إنجازها هي قراءات تقصد أساسا أن تنقد هذه الآيات ، وتبقى قراءات مقلدة اقتبست كل مكونات خططها من واقع الحداثة الغربي في صراعه مع الدين ، داعيا إلى ترك العمل بقيم الإله والوحي والآخرة ، والأخذ بقيم الإنسان والعقل والدنيا ، سالكة في نقد الآيات خططا ثلاث ، هي "خطة التأنيس" و "خطة التعقيل" و "خطة التأريخ" ، واختصت خطة التأنيس بنقل الآيات من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري قاصدة إلغاء القدسية عنها ، فصارت إلى تقرير المماثلة اللغوية بين القرآن وغيره من النصوص البشرية ، واختصت خطة التعقيل بالتعامل مع الآيات القرآنية بجميع المنهجيات والنظريات الحديثة ، قاصدة إلغاء الغيبية منها ، فانتهت إلى تقرير المماثلة الدينية بين القرآن وسواه من النصوص الدينية ، وأخيرا اختصت خطة التأريخ بوصل الآيات القرآنية بظروفها وسياقاتها المختلفة ، قاصدة إلغاء الحكمية فيها ، فتأدت إلى تقرير المماثلة التاريخية بين القرآن وما عداه من النصوص.
فتعين إذن أن نطلب قراءة حداثية للآيات القرآنية تكون قراءة مبدعة حقا ، حيث جعل طه عبد الرحمن خططها تتفق مع خطط القراءة المقلدة في الآيات ، حيث يحصل ترشيد التفاعل الديني مع النص القرآني ، وتختلف معها في الأهداف ، إذ أنها تقصد تكريم الإنسان وتوسيع العقل وترسيخ الأخلاق حتى يحصل تجديد الفعل الحداثي ، رافعا الكرامة الإنسانية إلى رتبة التمثيل الإلهي ، تحققا





أحمد جمرادي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الآيات القرآنية والقراءات الحداثية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مكون القرآن الكريم :: مواضيع إضافية لمكون القرآن الكريم-
انتقل الى: